Wednesday, June 16, 2010

عبدالرحمن ..


ليس من السهل ذكر اسمه , فضلا عن استدعاء ذكراه , فهناك من شخوض حياتى من لاأستطيع التكلم عنهم إلا من وراء حجاب ,, لم أملك الجرأة الكافية يوما لسبر أغوارهم فى نفسى .. فالوصول إلى تلك المناطق العميقة فى النفس متعب ومؤلم على نحو قد لا اتحمل عنائه ..فأتركه هكذا .. ساكنا متمكنا من موقعه رافضا أن يتزحزح ,, و بالوقت ذاته ومن حين لآخر لا ينسى أن يذكرنى بوجوده .. إما ببسمة لاتعرف مصدرها ,, أو شجن لا يعرف سببه ..
هؤلاء وحدهم من أعرفنى من خلالهم حتى إذا تعمقت فى معرفتى بهم ازددت معرفة بنفسى , ألتجأ إليهم أحيانا .. هروبا أعرف ,, لكنه الهروب المحتم حتى يمكننى ان أبقى كما أنا ... اطمأنهم على مكانهم فى نفسى , أبث لهم همومى وأخذ منهم رسائل الحياة وأمضى ,,ورسائلهم صادقة ,, أثق فى صدقها , ليس فقط لانى أثق بنقاء حبهم , ولكن لأنه ليس هناك أصدق من الموت .. !!
وهو أحدهم ,, أو لنكون أكثر دقة ثانى أولهم ..
عبدو ,, هكذا ناديناه سنينا كان هو قائدنا المغوار فيها ,, ينظم اللعبة ويرتب الصفوف ويضع القوانين المنظمة , ونستجيب نحن بثقة فى عقل عبدو ,, وهى ثقة مكتسبة استطاع نيلها بعد إثبات للقدرات وإقناع له بأن اللعب مع البنات ليس فيه انتقاصا من شأنه ,حيث كان يرى أن ذلك الجنس البشرى لم يرقى بعد لمستوى تفكيره الطفولى ,, ولحظه السىء كان بقية اقربائه من ذلك الجنس البشرى , فكان يتعامل معنا أحيانا من باب " المضطر " حتى يحدث الله أمرا كان مفعولا ..
أعوام أربع أكبره بها , لم أجد فيها ما يمنعنى من أن أسير تحت قياده ,, واعترف لم أكن أنا بالطفلة التى يرضيها أحد , لكنه كان بالطفل الذى لايمكن ألا يرضاه أحد ॥

هو أول من علمنى تفانين الكرة التى كان بها مغرما , وفى أوج شهرة " حسام حسن " أقنعوه أن يفعل مثله ويحلق شعره كاملا ,هم ليسوا من هواة الكرة ولا من أصحاب تقاليعها وإنما خافوا عليه من صدمة أن لايجد شعره الحريرى كنتاج طبيعى لعلاج مرضه ,أو لربما خافوا من إجابة سؤاله .. " ليه ؟ " ,, فأتوا بتلك الطريقة ليجعلوا من كل شىء أمر طبيعى ..
يحدثنى أنه الأمهر فى تمرير الكرة لخط الدفاع ,, يتكلم عن خطط كروية أبهر بها مدربوه ,, كلمات أتذكرها " ظهير أيمن ,, أيسر ,, خط وسط " ,, يسهب فى أخبار ناديه المفضل آنذاك " الزمالك " وأنا لا افهم شيئا من هذا كله ,, تشعرنى فقط حماسته أن ثمة أمر هام يتحدث عنه ,, أمر يهمه وهذا جدير بخلق اهتماماتنا جميعا ,, بلا استثناء ..
عبدالرحمن ,,
أول أبويه هو ,, وثانى الأحفاد ,, ولهذا خصوصية تليق به ,, روح أمه كما كانوا يقولون .. لهما تعلق غريب , ليس كتعلق ام بابنها وإنما بقلبها الذى يمشى أرضا .. لذا كان طبيبعيا أن لاتجده بعدما ذهب .. أما أبيه فكان يرى فيه كنز الحياة الدنيا ,,
أما نحن .. لا أحسب هذا الاسم لم يترك بصمته فينا , لكل منا ذكرى عنده ومعنى لم يجده فى غيره ,,هو من الأسماء التى إن ذكرتها ستحيرك ردود الأفعال ما بين ابتسامة ودموع وخفقان قلب وإعادة تفكير ,, وهروب .. لكن أحدا لن يمر عليه مرور الكرام ..
لكن الاسم الشجىّ صار من المحرمات لمدة طالت وستطول عن العشر سنوات , لايملك أحد منا ذكره علانية, نحتفظ به سرا فى أنفسنا , تحدثنا به ذواتنا , لكن يظل البوح به غير مأمون العواقب ,, فهكذا الحياة , تحرّم أسماء وتبيح أخرى كيفما تريد .
وهو اسم خلق ليموت .. , فهذا العقل المتّقد الذكاء , والنفس الرقراقة الصافية المحلقة على الدوام , والقلب المحب النقىّ ,لم يكن ليكتب لهم العيش , حتى تقاسيم وجهه , تخبرنا _على نحو لم نفهمه إلا متأخرا _ أن مثله لايبقى , وإنما يأتى طيفا ليعلمنا حكمة إلهية ويرحل فى هدوء,,
مازلت أتذكر ملامحه على نحو لم أعهده فى نفسى , فهذه عادة أول ما أنسى , ومابين صورتين تأخذان نفسى من النقيض إلى النقيض أجد غصة لاتذهبها عيون تستأذن الدموع ..
صورته وهو يؤمنا فى الصلاة عذب الصوت حيوى الحركة ,, والأخرى وهو بالمشفى , يتعالى على عجز المرض , ويرفض أن يستسلم لقوانين العلاج المرهقة ..
يبتسم ويقول لى " مبقتش بخاف من الحقنة , لإنى بقيت راجل " , أخبره أنى مازلت أرتعد منها .. يصمت ثم يقول " لكنى تعودت عليها " ,,
لا أعرف تفاصيل النهاية , لم يخبرونا بها خوفا علينا ,, قالوا لنا أنه لم يعد بالإمكان أن يشاركنا اللعب ,, ثم زادوا لم يعد من المستطاع ان تروه ,, وأنهوا ,,لم يعد من المقبول الحديث فى هذا الأمر .. !!
لا أعرفها ولا أحسبنى سأستوضحها يوما ,, خير لى أن أبقيها غامضة مبهمة تحتمل كل الوجوه إلا وجهها الحقيقى ,, ليبقى وقع " عبدالرحمن " فى نفسى ابتسامة .. ويبقى تأريخه الوحيد عندى 16\6 ,, يوم مولده
ولتبقى النهاية عندى زيارة له أرانى فيها النيل _ للمرة الأولى _ من شباك مشفى الأورام , ووعد لم تتح لى الأقدار أن أوفى به .. وعد بزيارته قريبا ..

Monday, May 10, 2010

الطريق إلى " الأبعدية " ..

قد عشت أسأل أين وجه بلادي؟؟
أين النخيل ؟ وأين دفء الوادي؟
لاشيء يبدو في السماء أمامنا
غير الظلام وصورة الجلاد
هو لا يغيب عن العيون كأنه
قدر كيوم البعث والميلاد ..
كلمات لجويدة سمعتها يوما ووعيتها عن ظهر قلب , ليس فقط لأن فيها إبداع الوصف , لكن أيضا أحسبنى أرغمت علي حفظها , ففى اليوم التالى مباشرة لإلقائها كنت على موعد مع زيارة أبى فى مزرعة طرة,,
ووجدتنى أرددها وأنا فى طريقى إلى المزرعة ,, أحفظها عند عودتى من المحكوم ,, أفهمها بين نزلاء وادى النطرون ,, أتلمس معانيها فى سجن الزقازيق ,, اكرهها وأنا أرى تلك الوجوه الأمنية البائسة بسجن دمنهور العمومى ..
وكم حاولت جاهدة أن اطرد ذكرياتها من ذاكرتى وما ألبث أن انجح و استعيد وجه بلادى حتى تأتى الدولة فيها لتعمّق تلك الذكريات وتجددها على نحو من يريد الإثبات لا النفى !!
لأعود وأتسائل من جديد ,, أين وجه بلادى ,, بالتأكيد هو ليس فى ذلك الطريق الصحراوى إلى معتقلاتها ,, ولا تلك الوجوه التى رسم عليها الزمان أقسى معانيه ,, ليس وجه بلادى فى تلك الأيادى الممتدة تسأل الناس إلحافا .. ولا تلك الظهور التى تحمل هموما تنأى عن حملها الجبال ,, وجه بلادى غير مرسوم على أجهزة أمنها وقصور سارقيها ,, وجه بلادى ليس هو وجه حاكميها ..
وانتظر مع كل صباح أن أرى معنى الوطن فى بلادى ,, أن افهم أن أرضها يمكنها أن تسعنا وليس فقط سجونها ,, أن السماء فى وطنى لها معنى آخر غير التعلق بها دعاءا على الظالمين أو طلبا للنجاة من كيدهم ,, وأن العيون لا يرتسم الذل فيها وكأنها جبلت عليه ,, انتظر معنى الوطن فى نشيده القومى ,, فلا يأتى .. !!
وفى الطريق إلى وجه بلادى المحتوم وأنا ذاهبة لزيارة أبى , أقنع نفسى أن ثمة وجه آخر لم تتحه الظروف , وأن موعدى معه قريبا , فربما تكون هذه آخر الزيارات ومنتهى الأماكن التى سأتعرف عليها على كثرة ما عرفت من أماكن فى بلادى يسمونها " معتقلات "
هذه المعتقلات التى لا يجمعها سوى هذا الإحساس بالظلم وتلك الأسوار العالية التى لطالما تمنيت لو هددتها حجرا حجرا , حتى لا يبقى على وجه الأرض ما يمنع أبا أن يكون وسط ابنائه و طفلة تبكى اشتياقا لأبيها ليلا وأم كل أمنياتها أن يستقبل ابنها عزاؤها ..
وكترنيمة متكررة تختلف فقط فى بعض التفاصيل تكون زياراتنا لتلك " المعتقلات " ..
نستيقظ ليلا لنتجهز ,, فالرحلة طويلة ممتدة ربما بطول أعمارنا ,, يٌؤذَّن للفجر فأدعو الله أن يأذن بفجر مشابه لبلادى ,, نتّم الصلاة ونطمئن على استكمال أوراقنا ,, البطاقات ,, إذن الزيارة ,, رخصة السيارة ,,

تودعنا "الشرقية" _ كعادتها _ بتمنيات السلامة ,, وتستقبلنا _هذه المرة_ " البحيرة " بعبارات الترحيب ,,نبحر أكثر فى المدينة الساحلية ,, مازال فى الوقت بقية لتجميع شتات النفس ولملمة أحداث الإسبوع علّى استطيع هذه المرة التفوق على الزمن وحكيها جميعا لأبى ,, ففى المعتقل لا يعترفون بأبوة وبنوة ,, ومعانى الإنسانية لا تعنيهم فى شىء , فالقانون يقول : لكى دقائق معدودة هى حقك الدستورى حتى وإن كنت أقضى فى الطريق أضعاف ما أقضيه فى الزيارة .. فهذا لا يهمهم فى شىء!! أما هناك على جهاز التفتيش فيتعاملون مع تلك الدقائق " كمنّة " لهم فيها ما يشاؤن من المنع والعطاء !!
مازلنا على الطريق ,, يستبد بنا القلق على صحة أبى فنطوى طول الطريق بمواصلة الدعوات بأن ينتبه أبى إلى مواعيد الدواء ,, وأن يستقر معدل الضغط والسكر ,, نخفى جميعا تساؤلا مرا عن صحة قلب أبى ,, نتمنى لو سابقنا الزمان حتى نراه ونطمئن على صحته ,, بلطف من الله نصل إلى "الأبعدية" حيث " سجن دمنهور العمومى " و ملمح آخر من ملامح بلادى له تفاصيله المختلفة ,, فالأبعدية لها من اسمها نصيب , فهى على بعدها ومشقة طريقها المتعرّج تبدو متصالحة مع من أسماها بهذا الاسم ,,
تستقبلنا وجوه تقول أنها قد جاءت لمذنبين يعاقبون على جرم فعلوه اصطلح على تسميتهم " جنائيين " فى تناقضية لطالما أرهقتنى ما بين معتقل " جنائى " وآخر فى نفس المكان , تمارس عليه القوانين أسموه معتقل " سياسى " ..!!
انظر إلى تلك الوجوه التى تعتبرنا غرباء عن هذا المكان ,, اتسائل إن كانوا يعرفون لماذا نشاركهم المكان نفسه ,, هل يقلقهم قانون الطوارىء .. أو مثلا يعرفون شيئا عن تهويد القدس ,, أيهتمون لخبر بيع أصول البلاد ,, هل هم مثلى يبحثون عن وجه الوطن , أم أنى وحدى أهيم بحثا .. ؟؟
لم انتظر طويلا حتى جاءتنى الإجابة من أحدهم عندما قال : دول سياسة ملناش دعوة بيهم , وذلك فى معرض إجابته عن تساؤل صاحبه عندما سمع العسكرى ينادى : السياسى يجى يسجل هنا ..
عندها أدركت أن وجه الوطن ليس فقط تائها عن أبنائه , وإنما أيضا مشوها فى عقول بعضهم ..
حقائبنا على جهاز التفتيش ,, قلوبنا تسبقنا إلى غرفة الزيارة ,, وعيوننا معلقة على وجه الضابط بانتظار معرفة الخطوة التالية ,, فهم دائما من جديد إلى جديد ..
انهينا مراحل التفتيش ,,
نحن الآن فى غرفة الزيارة ,, تستقبلنا ابتسامة ترحاب من أبى ,, تلاحقنا تلك الوجوه النورانية بالسؤال عن أحوالنا والاطمئنان علينا ,, عالم آخر يشبه المدينة الفاضلة .. حب وتآخى وود وقلوب عامرة بالسكينة ,, أمل يعرف طريقه إلى النفوس ,,
وأخيرا أجد الإجابة على سؤالى ,, ثمة وجه آخر لبلادى يرتسم على تلك الوجوه النورانية ,, وجه يحمل ملامح الوطن الذى نعرف فيه الأمان والاستقرار ونتّم فيه صلاة الفجر,, وأبى لنا إماما
ً ..

* المقال على إخوان أون لاين
http://www.ikhwanonline.com/Article.asp?ArtID=64574&SecID=390

Sunday, April 18, 2010

لا شىء يشبه يوتوبيا ..

صدى ضائع كسراب بعيد يجاذب روحي صباح مساء
أنام على رجعه الأبديّ ويوقظني برقيق الغناء
صدى لم يشابهه قطّ صدى تغنّيه قيثارة في الخفاء
إذا سمعته حياتي ارتمت حنينا ونادته ألف نداء
يموت على رجعه كلّ جرح بقلبي ويشرق كل رجاء
ويمضي شعوري في نشوة يخدّره حلم يوتوبيا
ويوتوبيا حلم في دمي أموت وأحيا على ذكره
تخيلته بلدا من عبير على أفق حرت في سرّه
هنالك عبر فضاء بعيد تذوب الكواكب في سحره
يموت الضياء ولا يتحقق ما لونه ما شذى زهره
هنالك حيث تذوب القيود وينطلق الفكر من أسره
وحيث تنام عيون الحياة هنالك تمتدّ يوتوبيا
***

وحيث يظلّ عبير البنفسج حيّا ولا يذبل النرجس
وحيث تفيض الحياة رحيقا نميرا ولا تفرغ الأكؤس
وحيث تضيع حدود الزمان وحيث الكواكب لا تنعس
هناك الحياة امتداد الشباب تفور بنشوة الأنفس
هناك يظلّ الربيع ربيعا يظلّل سكان يوتوبيا
***

هنالك حيث وعت شهرزاد أقاصيص غنّت بها ألف ليله
هنالك يوتوبيا في الضباب على شفق لم تر العين مثله
يحفّ بها أبد من عطور ويمنحها ألف لحن وقبله
وترقد في سكرة لا تحدّ على رجع أغنية مضمحلة
على شاطيء كضياء النجوم أسميّه شاطىء يوتوبيا
***

هنالك طوّفت ذات مساء وكان معي هيكل كالسراب
أحسّ خطاه على الرمل لكن أرى غير شيء وبعض سحاب
وكان أمامي ممر غريب تغلّفه دفقات الضباب
ويمتدّ عن جانبيه خليج وبعض جزائر بعض هضاب
وفي حلمي صحت : أين أسير ؟ فرد صدى:قرب يوتوبيا!
***

أحسست في قعر روحي جنونا وشوقا عميقا كبحر عميق
تريد انتهاء الطريق الغريب إلى البلد المتمّنى السحيق
لي ذلك الأفق الأزليّ وحيث يعيش أبولو الرقيق
على ظمأ لوجود عجيب يذوب عليه الندى والبريق
على ظمأ صارخ وأخيرا صحوت ولم أر يوتوبيا
***

وفي حلم آخر كنت أمشي على شاطيء من حصى ورمال
غريب غريب بلون الأثير يحفّ به أفق كالخيال
تناهى بأقدامي المتعبات إلى صخرة رسخت كالمحال
تسلّقها أمل مضمحل فقد تتزحلق حتى الظلال
وساءلت ماذا ترى خلفها ؟ فقال لي الرمل : يوتوبيا !
***

وفي حلم ثالث خلت نفسي على بابها المرمريّ الكبير
أحدّق في نشوة لا تحدّ أكاد أجنّ .. أكاد أطير
أحقا أرى الباب ؟ ألواحه تلوح مبطنّة بالحرير
تقدمت واجفة في خشوع وفي مقلتي ومض حلم قرير
أدقّ على الباب في نشوة ولا ردّ غير السكون المرير
***

ومرت حياتي مرّت سدى ولا شيء يطفىء نار الحنين
سدى قد عبرت صحارى الوجود سدى قد جررت قيود السنين
وما زلت أذرع صمت القفار وأسأل عن سرّها العابرين
يطول على قلبي الإنتظار وأغرق في بحر يأس حزين
أحاول أن أتعزى بشيء بغاب , بواد , بظلّة تين
دقائق...ثم أخيب وأهتف: لا شيء يشبه يوتوبيا
سأبقى تجاذبني الأمنيات إلى الأفق السرمديّ البعيد
وأحلم وأحلم لا أستفي ق إلا لأحلم حلما جديدا
أقّبل جدرانها في الخيال وأسأل عنها الفضاء المديد
وأسأل عنها انسكاب العطور وقطر الندى وركام الجليد
وأسأل حتى يموت السؤال على شفتّي ويخبو النشيد
وحين أموت..أموت وقلبي على موعد مع يوتوبيا
دقائق...ثم أخيب وأهتف: لا شيء يشبه يوتوبيا
***

سأبقى تجاذبني الأمنيات إلى الأفق السرمديّ البعيد
وأحلم وأحلم لا أستفي ق إلا لأحلم حلما جديدا
أقّبل جدرانها في الخيال وأسأل عنها الفضاء المديد
وأسأل عنها انسكاب العطور وقطر الندى وركام الجليد
وأسأل حتى يموت السؤال على شفتّي ويخبو النشيد
وحين أموت॥أموت وقلبي على موعد مع يوتوبيا

** يوتوبيا ضائعة ,, نازك الملائكة


Sunday, March 28, 2010

هنا .. بلادى !!


هنا .. وهنا فقط يمكننا أن نعتبر ,و أن نظن ان للحلم ثمناً وأن بإمكاننا أن نكون بشر ..
يمكننى هنا أن اقول انى انا ,, ولا أخشى ما يستتبعه النظر

الامر هنا لايحتاج إلى كثيرٍ من التحدى ॥


هنا المكان يشهد بحاله ,, والتاريخ يكتب ذكرياته .. هنا تصنع النظريات نفسها ,, وتتناغم تناقضات الحياة بأكملها ..
هنا الملاحم شىء طبيعى,, والارض يمكنها ان تخبرك عن نفسها ॥ والوجوه ترسم تفاصيل الزمن ..
هنا الجدران لها شكل مختلف ॥ بارود متراص بجانب بارود ॥ متماسك بدماء القلوب

هنا الأبواب لاتغلق أبدا .. مفتوحة بابتسامات أهلها ,, وكرم نفوس أصحابها ,,
هنا ينعدم الإحساس بالزمن ,, لاشيبٌ ولا شباب ,, الكل يعمل ويعمل ,, طفل بجانب شيخ يسخرون من الوقت فى لعبة سرمدية ..
هنا للهواء نسيم لاتجده بمكان آخر ,, عليل ونقىّ _ حيث النقاء هنا أمر بديهىّ _ تذكِرك نسماته بآيات الإسراء ,, وتحمل بشرى وعود الانتصار ..
هنا لرائحة الزيتون فعل السحر على العقول , وكلما انغرست البذرة فى الأرض ,نبتت الفكرة فى العقل , فيقوى الجسد ويشتد العود ..
وهنا الجسد لا يتحمل مرضه وفقط ,, وانما يحمل ذنب تهاون قلوب أخرى .. وإن كانت على الطرف الآخر من العالم .. الجسد هزيل ,, نعم ,, منهك ,, جائز ... لكنه مازال قادرا على حمل قلبه دون كلل ..

هنا المستحيل ممكنا .. يدلّك على هذا ثقوب الرصاص على جدران المنازل , ومع ذلك الكل آمن , فى جدلية أرهقت المحللين والسياسين ,, وأعيت أصحاب البنادق ..
وهنا الممكن مستحيل .. بيت الله بجوارك .. وندائه مرفوع على المآذن , لكن البيت لغير أصحابه مفتوح ,, والنداء لغير أهله مسموع ..

هنا الجرم مختلف .. والعقاب ليس من جنس العمل , القتل هنا ليس بإزهاق الأرواح وإنما بأوجاع القلوب , والسرقة هنا ,, سرقة وطن ..


هنا الطفل فى المعتقل والآخر بباحة المسجد ممسكا بالحجر ,, والأم تنظر إلى شاشات التلفاز عله يأتى بالخبر .. أما الأب فيتابع قضية مسجده وبيته وابنه .. وأخيه الذى يحتضر بعد أن خنقته قنبلة الغاز بالممر ..
هنا حكايا الجدات ,, وطرائف الشباب ,, ولعبات الأطفال ,, وضحكات البنات , تحكى معنى الوطن ,, والأمل ..

هنا .. أرض الرباط ومصدر المعجزات.. هنا ,,هنا .. بلادى !!

Monday, March 15, 2010

لحظة اعتقال


كان علىّ أن أجد إجابة مقنعة لسؤالها عن هؤلاء الأغراب الذين أتوا بيتنا ليلاً بتلك الطريقة المفزعة, حقيقة أشفقت عليها من الإجابة, ولم تطاوعنى نفسى أن أتركها تراهم .. لا أريد أن تحتفظ ذاكرتها بتلك الوجوه القاسية, ستنسى ملامحهم حتماً مع مرور الزمن, لكن ستبقى معانيها محفورة فى وجدانها ..

ستتذكرها, عندما يتشدقون بالحرية, وستسأل أين كانت حينما عبثوا بأشيائى وأخذوها دون عودة !!

ستتذكرها, عندما يتحدثون عن الأمان, وتتسائل ما معناه وهم يوأدونه بروح باردة فى نفوسنا يوماً بعد يوم !!

وأخيرا .. ستتذكرها وهم يغنون للوطن .. وبأسف ستسأل أين الوطن .. ربما هو أيضاً فى المعتقل ..!!

ولتلك الأسئلة وقع فى النفس مؤلم حقا, فلم أجد بداً من مواربة الحقيقة, هؤلاء فقط أغراب أتوا ليبحثوا عن شىء وسيمضون سريعاً .. اخلدى انتى للنوم ولا تتركى غرفتك ..

كان أملى فى ذلك أن يحترموا براءة الطفولة, ولا يزعجوها بوقع أقدامهم الثقيلة, ويتركوا غرفة إخوتى الصغار دون أن يقلبوها رأساً على عقب, ويرحلون دون أن اضطر إلى إخبار آلاء وأفنان عن هوية عابسى الوجه هؤلاء ..

لكن الأمل فى بلادى ممنوع, تعمدوا أن يوقظوهم, كما يتعمدون أن يجعلونا نذهب بأحلامنا إلى شواطىء مالطا, علنا نجد فيها يوما آمنا .. ومالم أستطع إخباره لآلاء , قالوه هم دون حياء أو مواربة, قالوا أنهم هنا من أجل الصدّ عن حماية مسجد ..

لم يتورع هذا البدين وهو ينفث دخان سيجاره أن يقول ذلك بإيماءات وجهه الغاضبة, ولا هؤلاء الأتباع وهم يبحثون بروح مضنية عن أى شىء يتحدث عن الأقصى, حتى أنهم لم يجدوا غضاضة فى أن يضموا لأحرازهم لوحة للشيخ القعيد ومن خلفه الأقصى ، وجدوا فيها دليل قوى لإثيات التهمة, لنسجل يوماً أن لوحة مكتوب عليها " الأقصى فى خطر " دليل اتهام فى قضية أمن دولة !!

الدولة التى لم تفتأ أن تستعرض لنا قوتها بإرسالياتها التى تبعثها وقتا بعد الآخر - حتى وصلنا إلى حد التساوى ما بين بيتنا ومعتقلاتها- لم تخجل أن ترى فى لوحة للقدس قلق على استقرار نظامها ..

هذا هو قلق الدولة .. أما قلقنا فكان من نوع آخر , قلق من تلك اللحظة المرتقبة التى يغادر أبى فيها البيت إلى المكان الذى عرفناه بالخبرة وألفناه بتكرار التجربة .. هذه هى لحظة الاعتقال الحقيقية, وأقسى اللحظات التى يمكن أن يحياها المرء فى بلادنا ..

اللحظة التى تتعلق أرواحنا فيها بالسماء, وقلوبنا بأبى الغائب عنا, وعيوننا بمن هم حولنا, اللحظة التى تبدأ بها رحلة أحداث ما بعد الاعتقال, وتنتهى أخرى كانت قد بدأت لتوها من أحداث ما بعد الافراج .. ثنائية تتبادل فيما بينها .. اعتقال وإفراج ..

وأشفقت على آلاء من قسوة تلك اللحظة, حسبت أنها أكبر من احتمالها , فكان حرصنا الدؤوب أن تبقي بعيدة عن محيطها, لكنها باغتتنا وفتحت النافذة , وتحت النافذة هناك جيش آخر غير الذى فى بيتنا ..

من هؤلاء ؟؟ ..كان سؤالها البديهى .. هؤلاء أتوا ليحرسوا الأغراب فى بيتنا, هكذا جاوبتها, وهروباً من تعبيراتها التى تخبرنى أنها غير مقتنعة, أردفت : كثيرة الأسئلة انتى .. نامى وفى الغد سأجيبك عن كل ما تريدين ..

لم تنتظر إلى الغد , سبقتنى إلى الخارج حيث لحظة الوداع, تعلقت بأبى طويلا ॥ واحتضنها أبى بشدة .. سألت " حضرتك رايح فين يا بابا ؟ " .. سكت أبى لحظة ثم قال : ربما .. إلى الأقصى

Thursday, February 18, 2010

ريشة ألوان ..


ماذا لو كان لكل منا لوحة حياته ..
يبدو الـأمر مشوقا ,, وسهلا أيضا .. سيكون على هنا فقط أن ..اختار الألوان ,,اهيئ اللوحة واترك لخيالى العنان ..
استطيع بكل تأكيد أن ارى لوحتى .. سأجعل إطارها أخضر , فلهذا دلالة فى نفسى ,,

أما أشخاصها , فهناك من سأختار لهم الأبيض ,, وهناك من يناسبهم أكثر الرمادى ,, أما هؤلاء فلن أطيل البحث عما يليق بهم , سأتركهم هكذا مجردين من كل لون ,, معبرين عن أولى حقائق الحياة .. أن هناك من يجيدون الأكل على كل الموائد , ويتقنون لعب جميع الأدوار ,
أما الأسود فسأبتعد عنه قدر إمكانى , فأنا لا أحبه فى البشر ,, ولا أقبله فى لوحتى

سأجعل طريقى ممتدا بلا نهاية ,, كحلمى الذى لا يدرى بدايته ,, سأبحث له عن لون الأرض.. ممزوجا بلون الذكريات والعمر الماضى والآت ,,مخضبا بالدماء ,محملا بعبق قطرات الجبين اعرف أن الأمر يحتاج كثيرا من الجهد .. لكن أرضى تستحق ..!!

أما سمائى فستكون فى أبهى حلتها .. زرقاء صافية لولا تلك الغيوم البسيطة ,, تطل منها الأقمار والشموس , كل على قدره عندى ,, وسأجعلها صفحة وجهى تبدى منه ما تخفى ملامحى.. لتقول يوما كل مالم تسعفنى الأقدار أن أقوله ..

سأبحث للوحتى عن نهر هادىء , فأنا لا أحب البحار .. هوجاء مضطربة دائما وحقا تخيفنى ..!!
ونهرى سيكون بلون الحياة .. ولما لم يكن للحياة لون وانما هى مجرد انعكاس لألواننا , فسأجعله مزيج ألوان لوحتى جميعا , فربما أحقق حلما بأن اصنع لونا لايزال قادرا على الحفاظ على وهجه ورونقه وصفاءه مع طول السنين ومرور الأزمان وتكالب الأحداث ..

وزهور لوحتى ستكون مختلفة , إحداها على شكل نجمة , والأخرى تشبه قطرة الندى , أما الثالثة فعلى هيئة قلب نقىّ السريرة ,صفىّ الطوية ,والرابعة سأرسمها عينا مفعمة بالحيوية,لها من معانى التمرد ما لها , وبالطبع لن أنسى زهرة بنفسجية عرفت من خلالها معنى الجمال الأسنىّ ..

لن تخلو لوحتى من بعض الرتوش الفوضوية ,, نحتاج أحيانا إلى الخروج عن الإطار لنصنع شكلا مختلفا , ليس له معنى إلا فى نفوسنا , ولن يكون له معنى فى غيرها !!
أمسكت بريشتى و تنبهت ... انا لاأجيد الرسم .. بل لا أعرف حتى قواعده .. كانت نشوة رسم الحياة قد أخذتنى ونسيت .. انى لا افقه فى الرسم شيئا ..
وليس بعيدا عن ذاكرتى يوم الامتحان عندما طلبوا منا رسم المعركة فى الميدان ,
أخبرتهم ..: أنا لا أعرف عدوا , ولا أدرى ما معنى المعركة , ولم تختاروا لى الميدان .. ففى أى ميدان ومع أى عدو سأقاتل , هلاّ أخبرتمونى ما هو شكل السلاح ..!!

لم ينتبه المراقب إلى سؤالى ,ولم يحاول فهمه , فقط سمح لإحداهن أن ترسم لى معركتى كى أحصل على درجات النجاح ,, وأؤكد ,, لم تكن تعلم هى أيضا _ مثلى تماما _ ما المعركة , لكنها تعلم ماذا تعنى درجات النجاح !!

وبقيت أنا .. لا أقدّر درجات النجاح , ولا أجيد رسم المعارك , وعزفت عن الرسم أصلا .. حتى وجدتنى اليوم أحتاج إلي قواعده فى رسم لوحتى ..!!

وهنا لا يمكن الاستعانة بصديق,ليس فقط لأن اللوحة لا تحتمل ريشتان , _وهذا فى حد ذاته كفيل بإفسادها_ , ولكن لأن الحياة أيضا لم تعد محصورة فى فصل دراسى .. والأمر لم يعد مقصورا على درجات النجاح ..

لا بأس إذاً إن جعلت لوحتى محل اختباراتى الأولى وشاهد تجربتى فى الحياة ,, ولا غرابة إن جاءت غير متقنة الإحكام .. يكفينى انى أجهدت نفسى فيها,و لم أترك ريشتى لغيرى ,فأىً ما كان يعبيها , فلن يكون من عيوبها قطْ أنها مكررة التفاصيل ,, تقليدية الألوان ,, عبثية التخطيط .. وهذا يكفينى .. على الأقل إلى الآ
ن ...

Friday, February 12, 2010

إلى أين يذهب الحوت العجوز .. ؟؟!!


يلزم أن تحددى خانة بيضاء .. على مسافة معقولة , من حصوات رابضة فى قاع النهر
حصوات ..
ترقب الواقفة على الشاطىء ,, مشجوجة الرأس ,, تسمّى الأشياء بأسماء جديدة ..
لأن معجمها
_ الذى جلبته من التّبت _
لا يناسب سكان المدينة !!*

ترى هل سيفرق معها كثيرا أىّ نوع من الأثقال ستملأ به جيوب معطفها ..
لا أظنها فكرت فى الأمر , فمن هذا الذى يشغله مظهره الإجتماعى عند موته .. جثة محاطة بالأحجار أو الزمرّد .. لن يغنى هذا شيئا عن كونها مجرد " جثة " ..

جيوبها مثقلة بالحجارة الآن .. تتباطىء خطواتها نحو النهر القريب .. نظرة إلى منزلها الريفى البسيط .. إحكام قبضة على عصا تهديها الطريق .. لا مجال للتراجع فأنا قد أخذت القرار
مضت نحو النهر وأسلمت إليه نفسها .................

أظنكم ستختلفون معها فى توصيف قرارها .. هى رأته جريئا ,, شجاعا ,, قويا بما يكفى لينهى حياتها .. ليس لأنها تعيسة , ولكن لأنها تستمد سعادتها من شفقة الآخرين وهى امرأة لا يحتمل منها كبرياها مثل هذا .. والكبرياء خصم عنيد , يهزم حتى .. فطرة الوجود ..

تتوقف الحياة عندما يتوقف صداها .. هكذا تؤمن .. وأصداء حياتها توقفت بموت من حولها , فلم يبقى لها سوى زوجها .. يتحمل مسؤلية موتهم ,, وحياتها ..
أشفقت عليه فقررت الرحيل .. خوفا من إشفاقه عليها !!

يبدو الأمر غريبا , لكنه متكرر فى حياتنا فيما يشبه المعزوفة المتجددة ..
نفكر فى أمر , ويفكر غيرنا بالأمر ذاته .. تختلف الزاوية فتبدو الصورة وكأنها متناقضة .. فقط بعضا من الهدوء يمكنه أن يصنع التناغم .. لكننا وفى غمرة سكرتنا نضنّ على أنفسنا ببعضها .. وكأننا لا نستحق ..

أعطته فرصة لحظات الهدوء بعد أن سلبته حق اقتناصها .. قالت له " كل شىء ضاع منى , إلا يقينى بطيبتك .. لا أستطيع أن استمر فى إفساد حياتك أكثر .. " ولم تترك له خيار الرد .. خيارا واحدا فقط هى ما أعطته إياه _ إن صحّ أن نسميه خيارا_ .... نعى فى الجريدة اليومية ..

نتابع سيرنا بخطى حثيثة , لنثبت أننا قادرين .. نتجاوز ونتجاوز ,, حتى نصل إلى مرحلة اللامعافاة .. تلك المرحلة التى يلعب فيها الخوف دوره الأثير فى الحياة , فيبعث فى النفس كوامن المجابهة والتحدى , حتى إذا استنفذ قواها .. نستسلم ,, وتبدأ خطة جديدة ... لا للمواجهة وإنما للهروب الأخير ..

ولهذا اختارت لصديقها ريتشارد أن يهرب من مرضه المميت .. بقفزة من شرفة مسكنه , بدلا من أن ينتظر الموت _ مترقبا _ على سريره .. وكالعادة أسمتها قوة المواجهة .. ونسميها هروب الانتحار !!

ألم نقل بدءا أن معجمها .. لا يناسب سكان المدينة ...!!

يقولون أنه ليس هناك أدل على الحياة من وجوه البشر .. هكذا يقولون .. ووجهها يحمل الكثير من تفاصيل الحياة المحكمة .. يحمل عينان تنفذان إلى المستتر فى قلوب البشر .. وانف دقيق تشم رائحة الموت على بعد أميال وسنوات أيضا , فتتجاوز حدود الزمان والمكان , بعدما أزكمها بضحاياه .. اب وأم وأخ وصديق ... بيت وزرعة وذكرى رفيق .., أما الفم فقد تذوق طعم المرارة كما يتذوق سطح الحديد البارد قطرات الليمون ..

وفى هذا لا ينسى المرء ابدا ماضيه .. يظل يتذكر لحظات فرحه .. حزنه .. خوفه .. ألمه الأولى .. وللحظاتنا الأوائل ذكرى وأثر تدلل عليها الخواتيم .. فما النهاية إلاّ من صنع البداية .. وهى قالت ابتداءا " سوف تشترى الورود بنفسها " .. وختاما
" سوف تشترى الورود بنفسها .. لنفسها "

لا أحسبها لم تقاوم فكرة " عبثية الحياة " ,, بالتأكيد حاولت .. لكنها لم تؤتى منطق الأنبياء لتدحض الشواهد بالدليل الإلهى ..

هى قالت .. إذا كنتم ترون فى إنهاء حياتى خطيئة ... فأعطونى مبررات الحياة .. !!
لم ترى فى الكون بأكمله مبررا .. بل لم ترى ما هو أكبر من الموت والجنون ... ولم تنتظر عدالة السماء الحتمية ...
حتى أشخاص حياتها , رحلوا جميعا دون زوجها ... وهى قد رأت فى حياتها مزيدا من عذابه .. فأنهتها دون استئذان ..
ماتت فرجينيا وولف وتركت رسالتها ... رواية لم تكتب بعد ..!!

:::::::::::::::::::::::::
*
مقطع من قصيدة " جلباب أزرق " لفاطمة ناعوت

Monday, November 30, 2009

آلاء .. عالمى الصغير

دائرة كبيرة هى عالمنا وعالم من حولنا , بالتزاماته واعتباراته ... ومميزاته أيضا , فنحن لن نغفلها إذا كنا نبحث عن إنصاف
تأخذنا الدائرة أحيانا إلى حيث تريد وفى سط دوامتها نفقد جزءا من جنون المثالية .. براءة الحلم .. حماسة المحارب . والأهم أننا ربما نفقد صدق المعنى , فلا تعد تلك الأماكن كما كانت سابقا , ولا هؤلاء الأشخاص ولا تلك الضحكات ولا كل ما كنا نرتبط به صغارا فيصنع فرحة صافية لا يكدرها رمادية دائرة الحياة ,
ونجدنا داخل حلقة رتيبة من الاعتيادية المملة , وننظر فنجد مركز الدائرة أصبح بعيييدا ... وننتبه حينها أننا لابد وأن نعود ...
هى وحدها من يمكنها أن تعيدنى إلى مركز دائرتى , بل والأكثر أنها وبدون تكلف تستطيع أن تعيد الروح إلى خطوط الدائرة الكبيرة , لتتبدل ألوان الحياة وتبدو متناسقة ومتكيفة مع جميع درجات " الرمادى " الموجودة بالكون
هى آلاء .... عالمى الصغير
هى من هؤلاء الذين إذا نظرت إليهم اطمأننت أن " الدنيا لسه بخير " , تحتفظ عيونها برونالصدق والبراءة , فتخلق عالما فريدا يدخله كل من يراها شاء أم
لها تفاصيلها المختلفة ويمكننا أن نقول انها من تصنع هذا الاختلاف , آلاء هى من تحكى لى قصة " الأرنب بسام " تصمم على هذا وكأنها تريد أن تكسر قاعدة أن الكبار هم من يحكون و بطبيعة الحال اجدنى استسلمت لقاعدتها , فليس هناك أجمل من ان تستمع إلى آلاء وهى تعطى نصائحها بالالتزام ببر الوالدين ... وتختم قصتها قائلة " استفدتى إيه بقى ؟ "
لهذا , هى لاتقبل أن تكون هامشا تصر دائما على أن تكون المحور , لذا فعقابها يكون قاسيا إذا ما وجدتنى لا انتبه لحديثها ,لأن لدّى ما هو أهم من حكايات استاذ الحساب ومحفظ القرءان ومشاكل ديسك المدرسة , فتقرر حرمانى من تشريفها لى بمشاركتها همومها , وتعلن غضبها بقرار حاسم " مش هحكيلك تانى عشان انتى مش بتبصيلى وانا بتكلم " لا أملك حينها سوى أن احتضنها معتذرة لها عما بدر منى من سوء أدب لا يليق بحديثها المهم !!
وكجزء من تفاصيل عالمها المختلف , آلاء لها طريقتها فى التعبير عن مشاعرها لاتستقبلنى بعد عودتى من الكلية بقولها " وحشتينى " وإنما بتساؤل " وحشتك ؟" وكأنها تريد أن تقول لى أنها تفتقدنى بطريقة أخرى , تعبر عنها عندما تأخذنى من يدى إلى الداخل لتخبر أمى وأبى وجميع من بالبيت وربما البيوت المجاورة أنى قد عدت لتوى من السفر ,,
تخبرنى أنها قد " اختزنت " الكلام كله طوال أيام دراستى لتقوله لى ... واشعر أنها " اختزلت " العالم كله فى كلماتها , التى غالبا لا ننهيها على وعد بإكمالها المرة القادمة لأن أيام أجازتى قد انتهت
بهذا قد أوصلت رسالتها ... لكن أيضا بطريقتها !!
يبدو هذا جليا فى ثقتها أننى أحبها ... ليس لشىء إلا لأنها تحبنى والحب يوجب الحب ترى فى هذا متلازمة واجبة الحدوث كسبب ونتيجة , و لا اعرف حقيقة إن كانت ستسمر على قناعتها هذه مستقبلا أم لا ؟؟!!
وبالمقابل آلاء ليست بالطفلة الساذجة , فهى تعى معنى غزة والأقصى ترى فى " حصّالتها " مدخلا لتحرير القدس , لها آرائها المسبقة عن كل شىء والتى لا يمكن لأحد أن يثنيها عن قولها , فتبدى رأيها فى أى مجلس كان فيه من كان وبأريحية شديدة وكأنها بحثت وتعمقت حتى وصلت إلى هذا الرأى الذى لابد وأن يبهر الجميع , ليس لأنه مميز فى ذاته , لكن لأنه صدر عن آلاء بطريقة آلاء وبكلمات آلاء فكان له طابعه المبهر تماما كعقلها الصغير
لم أنسى يوم أن اخبرتنى أن اهم ما تعلمته من " الصلاة " أنها " تبقى شجاعة ومتتكسفش انها تعتذر إذا أخطأت " هذا الذى كان سابقا من المستحيلات عندها ... فآلاء لا تعتذر بحال من الأحوال ... هى لخصت معنى قوله تعالى " إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر " بهكذا فهم , ربما لايوجد عند كثير من " الكبار "
وآلاء مازالت تحتفظ بكبرياءها , فدموعها لا يمكن أن يراها أحد تغالبها فلا تستطيع, فتهرب من الجميع , ربما لتعاقب نفسها على أنها سمحت لعيونها أن تخونها وتظهر " بعضا " من ضعفها , لأنها تجيد لعب دور " القوية " وفى السياق نفسه هى " تكره " النفاق و لاتعرف معناه , تحب من تحب وتكره من تكره وهى لاتعرف لذلك سببا ... فقط يوجهها صدق إحساسها !!
ببساطة ما يميز آلاء حقا أنها تغرد خارج السرب تأبى أن تدخل الإطار تعيش خارج حدود الزمان والمكان محتفظة بما تؤمن به وفقط ... لا يمكنها بحال من الأحوال أن تكون من أطفال " ما بعد الحداثة " وكذلك عالمها بطبيعة الحال , تصنع هى تفاصيلها غير مبالية بما هو خارج عالمها
يبدو هذا واضحا فى اختيارها لتسريحة " القطتين " وذوقها فى اختيار ملابسها , فآلاء مازالت تصر على "الجوب " المنفوش , ولا تحب " الجينز " ولا العاب الكنبيوتر , ترى فيهم مالا يليق بطفولتها ... فآلاء لايثير فضولها كثيرا عالم الصغار بملامحه الحداثية المشوهة ,, وهى فى اختياراتها هذه لايضيرها من حولها فهى تشعر بتميزها واختلافها فلا يحق لأحد أن يدخلها حلبة المقارنة مع من سواها ... آلاء تحب عالمها وتجبر الجميع أن يدخله ولو للحظات فى حضرتها .. فتكون بحق ... لحظات إلهام

Friday, November 13, 2009

بصمة روح ..


نحن نتغير .. شئنا أم أبينا .. نفعل ذلك بصمت .. تلك هى الحقيقة التى نهرب منها دائما ...
ظلت هذه الفكرة تراودنى بشكل غريب وتتلاحق معانيها فيا على نحو يشبه المحاصرة ,, ففكرة "التغيير" لاتروقنى بحال من الأحوال , بل يمكننى القول أنها مخيفة على نحو ما توقعه فى نفسى من معنى سلبى ,
فالتغير مرتبط عندى على المستوى الانسانى بمعانى فى معظمها متحول من الإيجابى إلى السلبى ..
ربما يأخذ كلامى على محمل من الغرابة , لكن ثمة كلمات فى حياتنا لا تأخذ معانيها من معاجم اللغة وإنما مما توقعه داخلنا من أثر , وما يحتفظ به عقلنا الباطن من تجارب وخبرات وأحاسيس , لذا فإنى عندما أتحدث عن خوف من " التغيير " فأنا أقصد معناه فى نفسى وليس بالضرورة ما يوحيه اللفظ من دلالة ترتبط بقواعد اللغة أكثر مما ترتبط بقواعد النفس البشرية التى لها دائما قواعدها وقوانينها الخاصة .
يرجع خوفى لقناعتى بأن لكل منا " بصمة روحه " التى تختص به ولا تختص بأحد غيره و تكون عنوان توازنه واتزانه بحيث يكون فى المساس بها تهديدا لاستقرار أنفسنا التى نظلمها معنا كثيرا
هذه " البصمة " هلامية لا يمكن تحديدها بصفة معينة أو معنى واضح , وهنا وجه الخطورة , أننا فى وسط " التغيير " لا نستطيع حمايتها , لأن أول الحماية معرفة ما نحميه على وجه الدقة ونحن هنا لانعرفه اصلا .. هو فقط معنى نجده فى أنفسنا ونجد أنفسنا من خلاله ,, فإذا ضاع .. تهنا فى عالم من الصخب .. وفقدنا صدق الأشياء من حولنا .. ومن قبل صدق أنفسنا .. !!
بطبيعة الحال ليس كل تغير سيئا, لكنه يحتمل الكثير من المغامرة والمخاطرة , لذا فالرهان هنا محكوم بالنتائج الغير مضمونة ... فيبقى الخوف قائما من أثر التغيير على " بصمة أرواحنا " , التى هى صمام الأمان لكل ما هو فطرى صحيح فى عالمنا .
وبالمقابل فإن بديل " التغيير " ليس " الجمود " بالتأكيد , فطبيعة الحياة تأبى ذلك أصلا , فضلا عن أن قوانينها لا تسمح باستمراره لفترة طويلة , مما قد يؤدى بنا الى "الانعزال" كحل سلبى لواقع مرفوض ,

وإنما اعتقد أننا إذا استطعنا الوصول إلى حالة من " الثبات المرن " على مجموعة من القيم ترتبط بمسلمات صحيحة يتعارف عليها البشر من حيث كونها مسلمات إنسانية ترتبط بثقافة العموم وليس الخواص , فإذا أضيف لها التزامات الخواص كانت أشد تأكيدا من غيرهم ,
ومع هذا الثبات تكون هناك مساحة من المرونة للتكيف مع تغيرات الواقع وتطور الحياة , فإننا بهذا نضمن للروح سلامها وللعقل اتزانه وللنفس طمأنينتها ..
الاهم هنا أن تشكل تلك " المسلمات " " مرجعية " نستند إليها إذا ما أخذتنا دوائر الحياة إلى حيث تريد , لأن هناك حقيقة تقول أن ليس فى يومنا ما يمر مرور الكرام أبدا , كل يترك أثره فينا على نحو ما , فيكون الاعتماد هنا على تلك " المرجعية " أن تضع الامور فى نصابها الصحيح وأن تضمن لنا موازنة جيدة مع واقع يفرض ماديته وروح تبحث لها عن مكان فى هذا الواقع .
ما أفكر فيه الآن هو الآلية التى نصل بها إلى " الثبات المرن " باعتباره أفضل الحلول الممكنة.. لانه تبقى هناك دائما إشكالية التطبيق ... والسؤال بعد ذلك ,, كيف نصنع هذه " المرجعية الثابتة " ,, ومن أين نضمن أن لا تصل بنا إلى الجمود ؟؟ ,, انا حقيقة لم أصل إلى جواب شافى .. وكالعادة .. مازلت أفكر :)

Sunday, October 4, 2009

فاطمة و يوسف ...


يتلفت يمينا ويسارا بوجهه الملائكى ,, ينظر إلى ما حوله بعينين شاردتين تملؤهما الدهشة ...
يعود فينظر إلى وجه من تحمله , يطمئن قليلا ثم لا يلبث أن يعود إلى اضطرابه من هذه الوجوه المصطفة على مد البصر , فيبكى وكأنه يستغيث بأمه أن تبعد عنه نظراتهم ... لكنها تهدهده فليس باستطاعتها فعل ذلك ...
يستمر الطفل فى البكاء لايوقفه ملاطفة رجل بجانبه يقولون أنه رئيس الوزراء !! ...
يوسف لايعرف ماذا تعنى هذه الكلمة , فقاموسه لايحمل هذه التوصيفات , فالطفل له مفرداته الخاصة ...
يعرف جيدا معنى " محقق .. ضابط .. عسكرى " ,, يفهم دلالات " نيابة وإدعاء وقضاة "
والأهم والأكثر فخرا أنه عالم بدقائق أمور زنزانته .. والتى كانت إلى عهد قريب بيته الصغير ...
يألف جدرانها , ليس لأنها الشىء الوحيد الذى يراه دوما ولكن لأنه يظن أن الحياة بكل معانيها مختصرة فى حجارتها يحمل كل حجر معنى مختلف من معانى الحياة الكثيرة ...
يعاود النظر إلى أمه فاطمة , هذه المرة تحمل نظرته كل معانى العتاب الرقيق ...
لماذا يا أمى أتيتى بى إلى هذا العالم الصاخب ؟! .. ألم يكن بيتنا الصغير أكثر هدوءا .. صحيح كنتى تبكين فيه كثيرا وذلك عندما تعودين مع هذا العسكرى المكفهر الوجه من غرفة أسمعهم يقولون عنها " غرفة التحقيقات " ..
لكنى كنت أنجح فى إعادة ابتسامتك ... ألم أنجح يا أمى ؟!!

تذكرين يوم أن عدتى والدموع ملء عينيك , فحاولت كفكفتها بكفى الصغيرتين ,, ألم تجيبى محاولاتى ببسمة ارتسمت على وجهك باستحياء تحاول مغالبة الدموع ... فعرفت أن أمى مازالت بخير ... قادرة على هزيمة دموعها ....
كان يوسف لا يدرك معنى وجود كل هؤلاء الناس فجأة .. أين كانوا قبل ذلك ... أيخلق الله البشر هكذا ,, فجأة ؟؟!! ...
لم تجبه أمه فقد كانت مشغولة بإلقاء كلمتها على مجامع غفيرة جاءت لترى فاطمة وابنها يوسف ..
حاول الولد الانشغال بالنظر إلى اعلى .. يمسك بأمه ,, يحاول أن يسألها عن هذا البساط الأزرق الذى فى الأعلى .. لكن لغته لا تسعفه ..
يظل يفكر .. أين سقف الحجارة ؟؟ .. ما كل هذا الضوء الآتى من ذلك القرص الذهبى .. هناك فى بيتنا القديم كان الضوء يأتينا من شباك حديدى .. وهنا فى هذا العالم الجديد يأتيهم الضوء من قرص ذهبى ... سبحان الله !!
انتبهت الأم لطفلها وأدركت أنّ عليها إفهامه ملامح هذا العالم الجديد ...
عليه أن يعرف أن هناك سماءا وأرضا , والاثنان ملك لخالقهما ...
وأن من البشر يوجد غيرها .. توجد الخالة والعمة والجدة والجد .... ويوجد الأب
عليه _بصعوبة_ أن يدرك أنا ما كان يحمله الجندى على ظهره فى الزنزانة لم يكن لعبة ... وإنما رشاشا يمكن أن يصوبه ذات يوم تجاه رأسك وقلبى ..
وأخيرا .. يا يوسف عليك أن تتعلم أن هؤلاء الملايين الذين ينظرون إليك كانوا قد نظروا إلى الأقصى قبلك ولم يتحركوا ..
أما هؤلاء المصطفون بجوارك , فهم الوحيدون الذين تحركوا من أجل أن ينظر الآخرين نظرة الفرح تلك .. فعليك ردّ الجميل والاحتفاء بهم ..
لا .. لا يابنى لايكون الردّ هكذا ,, فهؤلاء لاتكفيهم الابتسامة ولا ينتظرون منك كلمات الشكر والثناء .. فهى لاترضى طموحهم ..هم يريدون فعلا من جنس فعلهم .. حركة كحركتهم
حتى إذا ما دارت الأيام واكتفى هؤلاء الملايين بنظرتهم المعهودة ,, تقف أنت هنا وبجوارك طفل يبكى على ذراع أمه متسائلا ... من أين جاء كل هؤلاء البشر ؟؟!!

 
Designed by Lena Graphics by Elie Lash